
الفضاءُ عينُهُ ، زرقة ٌ لم تمت ، غير أنها تضيقُ هنا وأنا أواجهها فيما تتسع هناك حين أرنو إليها .. لكن النهايةَ موت …
أما البداية فقد كان السلك مغرٍ ، ذلك الذي يمنح تجلٍّ أعمقَ لكائناته الصغيرة والجميلة ، وهي تتخذ منه ملاذا لراحة أجسادها .
- الشجرةُ ملتفةُ الأغصانِ ، أوراقها تحجب الرؤية .. يتنقل العصفور بحريتهِ الكاملة دون أن يتركَ لي فرصة ً للتسديد ..
قلت له :
- والسلك ؟…
قال :
- يعطيني مجالا أوضح ..
* * *
كما في كل طفولة ، يغوى الاحساس بابتداع صنوفٍ من اللعب .. يصرّ هو على الصيدِ ، يقتطعُ من شجر الزيتون غصنا صغيرا متشعبا ، ليشكل به أداةَ قتلِه ..
يتربّصُ ، يُلجمُ الحركةَ ، ويحبسُ النفس ، ويرنو بهدوءٍ إلى الأغصان .. خطواتُه محاذرة وفي عينيه سؤالُ الموتِ ..
تعيقُه الأغصانُ عن التسديد ، فيتحول الى السلك .. يتراجع .. يختار اللحظة والفريسة والتجلّي .. ويصعقُ العصفور .
من قلبِ العشبِ يلتقطُ جثة ً صغيرة ، ينفخُ في ريشها فيطلُ فمُ الجرحِ ..
تستبدّ بهِ نشوةُ القتلِ ، بلا هدفٍ يسفحُ الدمَ ويضحك .. يرمي الجثت الصغيرة في عراء الأمكنة ، ويضجُّ بالحديث :
- عصافيرُ السلكِ لا مجالَ لها للإفلات من ضربتي ..
- لماذا لا نلعبُ لعبةً أخرى ؟..
يتنقل بخطواته الصغيرة الحذرة ، و(التيربولات)* في يديه وهو يقول :
- هاتِ لي ألعابا وسأكفّ عن الصيد …
يحطُّ طائرٌ على حدودِ الموتِ .. فوقَ السلكِ يتجلّى .. يحفر بمنقارهِ في ريشه .. يحركُ رأسهُ بقلقٍ .. يتبرز .. وينظر في فضاءٍ أزرق .. نفس الفضاء الذي يضيق بي هنا وأنا أتربّص ، ألجمُ الحركةَ ، وأحبسُ النفسَ ، وأرنو بهدوء إلى صورتها ..
على نفس السلك نحط نتخذ منه ملاذا لراحة أرواحنا ..
- ٌالحياةُ محبطةٌ والواقعُ موجع .
قلت لها .. وهذا الحب الذي لا يصحو إلا وهما ..
قالت .. يعطيني أملاً في الحياة ..
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ